أبي هلال العسكري
361
تصحيح الوجوه والنظائر
الغيب أصل الغيب الستر ، وغيبت الشيء في التراب ؛ إذا سترته فيه ، والغيب : ما استتر عنك ، وأصله ما سترك من قولك : نحن في غيب هذا الوادي ؛ أي : حيث يستتر به ، وكل ما ستر شيئا فهو غيابة ، ومنه غيابة الجب . والغيب في القرآن على ثلاثة أوجه : الأول : الخلوة ؛ قال اللّه : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ « 1 » [ سورة البقرة آية : 3 ] يعني : أنهم يخلصون العمل في خلواتهم خلاف المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون ، وقيل :
--> ( 1 ) قال الرازي : في قوله تعالى : يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ قولان : الأول : وهو اختيار أبي مسلم الأصفهاني أن قوله : بِالْغَيْبِ صفة المؤمنين معناه أنهم يؤمنون باللّه حال الغيب كما يؤمنون به حال الحضور ، لا كالمنافقين الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا : إنا معكم إنما نحن مستهزءون . ونظيره قوله تعالى : ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ [ يوسف : 52 ] ويقول الرجل لغيره : نعم الصديق لك فلان بظهر الغيب ، وكل ذلك مدح للمؤمنين بكون ظاهرهم موافقا لباطنهم ومباينتهم لحال المنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والثاني : وهو قول جمهور المفسرين أن الغيب هو الذي يكون غائبا عن الحاسة ثم هذا الغيب ينقسم إلى ما عليه دليل ، وإلى ما ليس عليه دليل . فالمراد من هذه الآية مدح المتقين بأنهم يؤمنون بالغيب الذي دل عليه دليل بأن يتفكروا ويستدلوا فيؤمنوا به ، وعلى هذا يدخل فيه العلم باللّه تعالى وبصفاته والعلم بالآخرة والعلم بالنبوة والعلم بالأحكام وبالشرائع فإن في تحصيل هذه العلوم بالاستدلال مشقة فيصلح أن يكون سببا لاستحقاق الثناء العظيم . واحتج أبو مسلم على قوله بأمور : الأول : أن قوله : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [ البقرة : 4 ] إيمان بالأشياء الغائبة فلو كان المراد من قوله : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ هو الإيمان بالأشياء الغائبة لكان المعطوف نفس المعطوف عليه ، وأنه غير جائز : الثاني : لو حملناه على الإيمان بالغيب يلزم إطلاق القول بأن الإنسان يعلم الغيب ، وهو خلاف قوله تعالى : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [ الأنعام : 59 ] أما لو فسرنا الآية بما قلنا لا يلزم هذا المحذور الثالث : لفظ الغيب إنما يجوز إطلاقه على من يجوز عليه الحضور ، فعلى هذا لا يجوز إطلاق لفظ الغيب على ذات اللّه تعالى وصفاته ، فقوله : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ لو كان المراد منه الإيمان بالغيب لما دخل فيه الإيمان بذات اللّه تعالى وصفاته ، ولا يبقى فيه إلا الإيمان بالآخرة ، وذلك غير جائز لأن الركن العظيم في الإيمان هو الإيمان بذات اللّه وصفاته ، فكيف يجوز حمل اللفظ على معنى يقتضي خروج الأصل أما لو حملناه على التفسير الذي اخترناه لم يلزمنا هذا المحذور . والجواب عن الأول : أن قوله : يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ يتناول الإيمان بالغائبات على الإجمال ثم بعد ذلك قوله : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يتناول الإيمان ببعض الغائبات فكان هذا من -